عبد الله بن أحمد النسفي

217

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

تدخله الوساوس وحديث النفس فيما يخفيه الإنسان لأنّ ذلك مما ليس في وسعه الخلو منه ، ولكن ما اعتقده وعزم عليه ، والحاصل أنّ عزم الكفر كفر ، وخطرة « 1 » الذنوب من غير عزم معفوّة ، وعزم الذنوب إذا ندم عليه ورجع عنه واستغفر منه مغفور ، فأما إذا هم بسيئة وهو ثابت على ذلك إلّا أنّه منع عنه بمانع ليس باختياره فإنّه لا يعاقب على ذلك عقوبة فعله ، أي بالعزم على الزنا لا يعاقب عقوبة الزنا ، وهل يعاقب عقوبة عزم الزنا ؟ قيل لا لقوله عليه السّلام : ( إنّ اللّه عفا عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به ) « 2 » والجمهور على أنّ الحديث في الخطرة دون العزم ، وأنّ المؤاخذة في العزم ثابتة ، وإليه مال الشيخ أبو منصور وشمس الأئمة الحلواني « 3 » رحمهما اللّه ، والدليل عليه قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ « 4 » الآية ، وعن عائشة رضي اللّه عنها : ما همّ العبد بالمعصية من غير عمل يعاقب على ذلك بما يلحقه من الهمّ والحزن في الدنيا « 5 » . وفي أكثر التفاسير أنّه لما نزلت هذه الآية جزعت الصحابة رضي اللّه عنهم وقالوا : أنؤاخذ بكلّ ما حدثت به أنفسنا ؟ فنزل قوله : آمَنَ الرَّسُولُ إلى قوله لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ فتعلق ذلك بالكسب دون العزم ، وفي بعضها أنّها نسخت بهذه الآية ، والمحققون على أنّ النسخ يكون في الأحكام لا في الأخبار فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ برفعهما شامي وعاصم ، أي فهو يغفر ويعذب ، وبجزمهما غيرهم عطفا على جواب الشرط ، وبالإدغام أبو عمرو ، وكذا في الإشارة والبشارة ، وقال صاحب الكشّاف : مدغم الراء في اللام لاحن مخطئ ، لأنّ الراء حرف مكرر فيصير بمنزلة المضاعف ولا يجوز إدغام المضاعف ، وراويه عن أبي عمرو « 6 » مخطئ مرتين لأنّه يلحن وينسب إلى أعلم الناس في العربية ما يؤذن بجهل عظيم وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من المغفرة والتعذيب وغيرهما قَدِيرٌ قادر .

--> ( 1 ) في ( ظ ) وخطوة . ( 2 ) رواه ابن ماجة عن أبي هريرة . ( 3 ) شمس الأئمة الحلواني : هو عبد العزيز بن أحمد بن نصر الحلواني البخاري ، أبو محمد ، فقيه حنفي كان إمام أهل الرأي في وقته ببخارى توفي عام 448 ه ( الأعلام 4 / 13 ) . ( 4 ) النور ، 24 / 19 . ( 5 ) أخرجه ابن جرير من طريق الضحاك عن عائشة رضي اللّه عنها . ( 6 ) في ( ظ ) عن ابن عمرو ، وفي ( ز ) عن أبي عمر .